يكتب جاسم العزاوي أن الحروب لا تُحسم بالشجاعة وحدها، بل تُدار بالمال قبل أي شيء آخر. خلف الشعارات والخطب والصور التلفزيونية، تختزل أي حرب طويلة في ثلاث ركائز: جنود يقاتلون، أسلحة تقتل، ونقود تحافظ على استمرار الاثنين.

 

حين ينفد المال، يأتي الانهيار، أحيانًا بهدوء وأحيانًا بكارثة مدوية. في هذا السياق، يقف النزاع في أوكرانيا اليوم على حافة حرجة، حيث يتراجع العامل المالي ليكشف هشاشة الأسس التي بُنيت عليها الحرب.

 

يوضح ميدل إيست مونيتور أن أوكرانيا صمدت قرابة ثلاث سنوات لا لأن اقتصادها قادر على تمويل حرب صناعية حديثة، بل لأن العواصم الغربية ضخّت مئات المليارات في خزائنها. من دون هذا الدعم، كان الجيش الأوكراني والدولة نفسها سيسقطان خلال أشهر. منذ فبراير 2022، التزم الغرب بتقديم ما بين 350 و360 مليار دولار كمساعدات عسكرية ومالية وإنسانية، استحوذت الولايات المتحدة على نحو 175 مليار دولار منها، بينما تجاوزت تعهدات أوروبا 170 مليار يورو.

 

تكشف هذه الأرقام حجم واحد من أكبر التحويلات المالية في زمن الحرب منذ الحرب العالمية الثانية، وفي لحظة تعاني فيها الاقتصادات الغربية نفسها من الضغوط.

 

حرب على الائتمان لا على القدرة الذاتية

 

يرى الكاتب أن الحرب لم تكن يومًا قابلة للتمويل ذاتيًا من جانب كييف، بل جرى خوضها بالديون والرهانات السياسية. دخل القادة الغربيون الصراع وهم يعتقدون أن روسيا ستتعثر سريعًا، وأن العقوبات ستشل موسكو، وأن المقاومة الأوكرانية ستفرض تسوية خلال أشهر.

 

ثبت خطأ هذه الحسابات جميعًا. تحولت الحرب إلى استنزاف طويل يلتهم الذخيرة والبنية التحتية والمال بوتيرة صناعية. تحرق أوكرانيا النقد بوتيرة متسارعة، بينما تواصل روسيا توليد الإيرادات، مدعومة بحلفاء يملكون جيوبًا عميقة مثل الصين، ومعها الهند عند الحاجة.

 

في واشنطن، تحولت حالة الإرهاق إلى سياسة. تصاعدت مقاومة الكونغرس، وأعادت إدارة جديدة ضبط الأولويات بهدوء. تباطأت المساعدات العسكرية، وتعطلت الحزم التمويلية، وتغيّر الخطاب: إذا أرادت كييف أسلحة أمريكية متقدمة، فعلى أوروبا دفع الفاتورة. لم يكن هذا تحوّلًا أخلاقيًا، بل عملية حسابية بحتة.

 

أوروبا بين الشعارات ودفاتر الحساب

 

اكتشفت أوروبا حدود الخطاب الأخلاقي عندما اصطدمت بالواقع المالي. أدى التضخم وتباطؤ النمو والاحتقان الاجتماعي إلى تآكل صبر الرأي العام. بدأ الناخبون يتساءلون عن سبب تدفق المليارات شرقًا بينما تتآكل الأجور وتتراجع الخدمات العامة. في ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، لا يحظى أي من القادة الرئيسيين بدعم أغلبية واضحة من ناخبيه.

 

تظهر المفارقة بحدة في الأرقام: في عام 2024 وحده، أنفق الاتحاد الأوروبي نحو 22 مليار يورو على استيراد النفط والغاز الروسيين، وهو مبلغ يفوق ما قدّمه كمساعدات مالية مباشرة لأوكرانيا. تموّل أوروبا كييف بيد، وموسكو باليد الأخرى، ما يحوّل الحرب إلى حلم مربح لشركات السلاح، ويُترجم في صعود أسهم شركات كبرى مثل لوكهيد مارتن.

 

روسيا واقتصاد الصمود

 

على النقيض، هيأت موسكو اقتصادها للحرب طويلة الأمد. رغم العقوبات، تواصل جني مئات المليارات سنويًا من صادرات الطاقة. حلّت الصين محل أوروبا كمشترٍ رئيسي، فامتصت النفط والغاز الروسيين بأسعار مخفّضة، ووفرت تدفقًا مستمرًا للعملات الصعبة. في 2024، شكّلت الصين نحو ثلث عائدات صادرات الطاقة الروسية، وهو هامش أمان لم يعرفه الاتحاد السوفيتي في تجاربه السابقة.

 

يقارن العزاوي هذا الوضع بالغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979، حين واجهت موسكو حرب استنزاف بلا شريان اقتصادي، ومع عداء صيني وموارد نفطية غير كافية، فانتهى الأمر بانسحاب الجيش ثم تفكك الدولة نفسها. روسيا اليوم تتجنب هذا الخطأ؛ فهي تملك الجنود والسلاح والمال. أوكرانيا، في المقابل، يعاني اقتصادها من الدمار، وتتآكل قاعدتها الضريبية، وينخر الفساد مؤسساتها، وتعتمد حربها على تحويلات خارجية تتأخر وتُشترط سياسيًا.

 

يخلص الكاتب إلى أن حروب الاستنزاف تميل لصالح الطرف القادر على شراء الوقت، بالمال والبشر. الوقت مكلف، وقد ينفد سريعًا بالنسبة لأوكرانيا. تكشف موازنات الغرب ما يرفض قادته الاعتراف به علنًا: تمويل الحرب إلى ما لا نهاية مستحيل سياسيًا، لكن التخلي عنها يحمل كلفة استراتيجية وأخلاقية جسيمة. هكذا تُحاصر أوكرانيا بالأرقام لا بالأيديولوجيا.

 

يختتم العزاوي بأن المال لا يضمن النصر، لكن غيابه يضمن الهزيمة. المأساة الأوكرانية ليست فقط مأساة غزو ومقاومة، بل مأساة حرب بُنيت على افتراضات انهارت تحت ثقل الواقع. الجبهة المالية، التي بقيت صامتة طويلًا، أصبحت اليوم الأعلى صوتًا، وهي التي سترسم النهاية. فالحروب لا تنتهي حين تنفد الشجاعة، بل حين ينفد المال.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260101-the-price-of-war/